الغزالي
35
إحياء علوم الدين
بيان اختلاف الأوراد باختلاف الأحوال اعلم أن المريد لحرث الآخرة ، السالك لطريقها ، لا يخلو عن ستة أحوال ، فإنه اما عابد ، واما عالم ، واما متعلم ، واما وال ، واما محترف ، واما موحد مستغرق بالواحد الصمد عن غيره ، الأوّل : العابد ! وهو المتجرد للعبادة الذي لا شغل له غيرها أصلا ، ولو ترك العبادة لجلس بطالا ، فترتيب أو راده ما ذكرناه ، نعم لا يبعد أن تختلف وظائفه ، بأن يستغرق أكثر أوقاته ، إما في الصلاة ، أو في القراءة ، أو في التسبيحات ، فقد كان في الصحابة رضي الله عنهم من ورده في اليوم اثنا عشر ألف تسبيحة ، وكان فيهم من ورده ثلاثون ألفا ، وكان فيهم من ورده ثلاثمائة ركعة إلى ستمائة ، وإلى ألف ركعة ، وأقل ما نقل في أورادهم من الصلاة مائة ركعة في اليوم والليلة ، وكان بعضهم أكثر ورده القرءان ، وكان يختم الواحد منهم في اليوم مرة وروى مرتين عن بعضهم ، وكان بعضهم يقضى اليوم أو الليلة في التفكر في آية واحدة يرددها ، وكان كرز بن وبرة مقيما بمكة ، فكان يطوف في كل يوم سبعين أسبوعا ، وفي كل ليلة سبعين أسبوعا ، وكان مع ذلك يختم القرءان في اليوم والليلة مرتين ، فحسب ذلك فكان عشرة فراسخ ، ويكون مع كل أسبوع ركعتان فهو مائتان وثمانون ركعة وختمتان وعشرة فراسخ فان قلت : فما الأولى أن يصرف إليه أكثر الأوقات من هذه الأوراد ؟ فاعلم أن قراءة القرءان في الصلاة قائما مع التدبر يجمع الجميع ، ولكن ربما تعسر المواظبة عليه ، فالأفضل يختلف باختلاف حال الشخص ، ومقصود الأوراد تزكية القلب ، وتطهيره ، وتحليته بذكر الله تعالى ، وإيناسه به ، فلينظر المريد إلى قلبه فما يراه أشد تأثيرا فيه فليواظب عليه ، فإذا أحس بملالة منه فلينتقل إلى غيره ، ولذلك نرى الأصوب لأكثر الخلق توزيع هذه الخيرات المختلفة على الأوقات ، كما سبق والانتقال فيها من نوع إلى نوع ، لان الملال هو الغالب على الطبع ، وأحوال الشخص الواحد في ذلك أيضا تختلف ، ولكن إذا فهم فقه الأوراد وسرها فليتبع المعنى ، فان سمع تسبيحة مثلا وأحس لها بوقع في قلبه فليواظب على تكرارها ما دام يجد لها وقعا ، وقد روى عن إبراهيم بن أدهم عن بعض الابدال أنه قام ذات ليلة يصلى على شاطئ البحر ، فسمع صوتا عاليا بالتسبيح ولم ير أحدا ، فقال من أنت